ابن الجوزي
222
صفة الصفوة
وعن أبي بكر المروزي قال : قال لي أبو عفيف - وذكر أبا عبد اللّه أحمد بن حنبل - فقال : كان في الكتّاب معنا وهو غليّم يعرف فضله وكان الخليفة بالرقّة فيكتب الناس إلى منازلهم ، فيبعث نساؤهم إلى المعلّم : أبعث إلينا بأحمد بن حنبل . ليكتب لهم جواب كتبهم . فيبعثه . فكان يجيء إليهم مطأطئ الرأس فيكتب جواب كتبهم فربّما أملو عليه الشيء من المنكر فلا يكتبه لهم . وعن إدريس بن عبد الكريم قال : قال خلف : جاءني أحمد بن حنبل يستمع حديث أبي عوانة فاجتهدت أن أرفعه فأبى وقال : لا أجلس إلا بين يديك أمرنا أن نتواضع لمن نتعلّم منه . وعن أبي زرعة قال : كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث فقيل له : وما يدريك ؟ قال : ذاكرته فأخذت عليه الأبواب . أبو جعفر بن أحمد بن محمد بن سليمان التستريّ قال : قيل لأبي زرعة من رأيت من المشايخ المحدّثين أحفظ ؟ فقال : أحمد بن حنبل ، حزرت كتبه اليوم الذي مات فيه فبلغت اثني عشر حملا ، وعدلا ، ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان ، ولا في بطنه حديث فلان ، وكل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلبه . وعن إبراهيم الحربي قال : رأيت أحمد بن حنبل كأن اللّه قد جمع له علم الأوّلين والآخرين من كل صنف ، يقول ما شاء ويمسك ما شاء . وعن أحمد بن سنان قال : ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشدّ تعظيما منه لأحمد بن حنبل ، [ ولا رأيته أكرم أحدا كرامته لأحمد بن حنبل ] . وكان يقعد إلى جنبه إذا حدّثنا وكان يوقّره ولا يمازحه . ومرض أحمد فركب إليه فعاده . قال المصنف رحمه اللّه : قلت : كانت مخايل النجّابة تظهر من أحمد رضي اللّه عنه من زمان الصّبا ، وكان حفظه للعلم من ذلك الزمان غزيرا وعمله به متوفرا . فلذلك كان مشايخه يعظّمونه ، فكان إسماعيل بن عليّة يقدّمه وقت الصلاة يصلّي بهم . وضحك أصحابه يوما فقال : أتضحكون وعندي أحمد بن حنبل ؟ . وقال عبد الرزاق : ما رأيت أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل .